أحمد بن يحيى العمري

104

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

اشتقّت إما من النّظر ، وإما من النّظير ؛ فإن كان اشتقاقها من النظر ، فمن حسن النظر أن يكون مقعدنا واحدا ، حتى يتبين الفاضل من المفضول ، ثم يتطاول السّابق ويتقاصر المسبوق ؛ وإن كان من النظير ، فأنا نظيرك وأنت نظيري ، فلم تتصدر أنت وأنا أجلس بين يديك ؟ فقضت الجماعة بما قضيت ، وعضّ هذا الفاضل من تلك الحكمة ، وانحطّ عن تلك العظمة ، وقابلني بوجهه ؛ فقلت : أراك - أيّها الفاضل - حريصا على اللقاء ، سريعا إلى الهيجاء ، ولو زبنتك الحرب لم تزمزم ؛ ففي أيّ علم تريد أن تناظر ؟ فأومأ إلى النحو ، فقلت : يا هذا ، إنّ النّهار قد متع والوقت ، قد ارتفع ، والظّهر قد أزف ؛ وإن قرعنا باب النحو ، أضعنا اليوم فيه ، فإذا خرج القوم ، وعلا هتاف الناس : أيهما ردّ الجواب ؟ هناك ما يدري المجيب ، فإن شئت أن أناظرك في النحو ، فسلّم الآن لي ما كنت تدعيه من سرعة في البديهة ، وجودة في الروية ، وقدرة على الحفظ ، ونفاذ في الترسّل ، ثم أنا أجاريك في هذا ؛ فقال : لا أسلّم ذلك ، ولا أناظر في غير هذا . وارتفعت المضاجّة ، واستمرت الملاجّة ، حتى أتلع الأستاذ الفاضل أبو عمر إليه ، وقال : أيّها الأستاذ ، أنت أديب خراسان ، وشيخ هذه الدّيار ، وبهذه الأبواب التي قد عدّها هذا الشّابّ كنّا نعتقد لك السبق والحذق ؛ وتثاقلك عن مجاراته فيها مما يتّهم ويوهم ؛ واضطره إلى منازلة فيها أو نزول عنها ، ومقارة فيها أو فرار بها ؛ فقال : قد سلمّت الحفظ ؛ فأنشدت قول القائل « 1 » : [ الطويل ] ومستلئم كشّفت بالرّمح ذيله * أقمت بعضب ذي سفاسق ميله فجعت به في ملتقى الحيّ خيله * تركت عتاق الطّير تحجل حوله

--> ( 1 ) نسب الشعر في اللسان 3 / 2027 « سفسق » إلى امرئ القيس ، وفي القاموس المحيط 2 / 380 « سمط » إلى امرئ القيس أو غيره . وجزم الزبيدي في التاج 25 / 451 بقوله : وليس لامرئ القيس ؛ وانظر ملحق ديوانه 474 . وهذا النوع من الشعر يعرف بالمسمط ، وللأشطار خامس وهو : كأن على أثوابه نضح جريال .